النخب الحزبية المغربية والانتخابات القادمة
النخب الحزبية المغربية والانتخابات القادمة
كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، عدنا إلى طرح السؤال القديم: هل يتعلق الأمر بتجديد النخب أم بإعادة تدويرها؟ وهل ما تزال الأحزاب السياسية قادرة على إقناع المواطنين بالمشاركة في صناعة المستقبل، أم أنها تحولت في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام إلى مجرد آليات انتخابية موسمية تنشط كلما اقترب موعد الاقتراع ثم تعود إلى حالة السكون؟
الانتخابات المقبلة في المغرب أكبر من موعد دستوري جديد، تتنافس فيه الأحزاب على المقاعد والمرشحين والتحالفات، إنها اختبار لما تبقى من قدرة السياسة على إقناع المجتمع بأنها ما تزال فعلاً ضرورياً، لا طقساً موسمياً يتكرر بوجوه متعبة ووعود مألوفة ونخب بعضها أكل عليه الدهر وشرب, وبعضها لم يعد يغني أو يسمن من جوع، عدا النخب الفاسدة التي أصبحت رائحة البعض منها تزكم الأنوف.
السؤال الحقيقي في الانتخابات القادمة يتمثل في: هل تستطيع النخب الحزبية أن تجعل المواطن يشعر بأن صوته يغيّر شيئاً في مصيره اليومي، وأن السياسة أفق لإنتاج العدالة والثقة في السياسة؟
لقد دخلت النخب الحزبية المغربية طوراً دقيقاً من تاريخها، فهي توجد بين مجتمع يتغير بسرعة، ومؤسسات تحتاج إلى وساطة سياسية قوية، وانتظارات اجتماعية تتعاظم، وشباب ينظر إلى الحزب في كثير من الأحيان كجهاز مغلق، يوزع القرب والامتياز والتموقع أكثر مما ينتج الأفكار والبدائل.
فالأزمة التي تواجهها النخب الحزبية المغربية هي أزمة وظائف وأدوار وتمثلات. فالعلاقة بين المجتمع والسياسة دخلت مرحلة من التآكل التدريجي. لقد تغير المجتمع المغربي بسرعة كبيرة خلال العقدين الأخيرين، بينما ظلت أجزاء واسعة من البنية الحزبية تتحرك بالآليات القديمة ذاتها، وباللغة ذاتها، وأحياناً بالخيال السياسي ذاته.. لقد أفرزت التحولات الرقمية، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، واتساع دائرة التعليم، وتنامي الوعي الفردي لدى الأجيال الجديدة، مواطناً مختلفاً عن ذلك الذي كانت الأحزاب تخاطبه في العقود السابقة. مواطنا أقل استعداداً للانضباط التنظيمي، وأكثر ميلاً إلى الحكم المباشر على الأداء والنتائج.
من هنا تنبع إحدى المفارقات الكبرى للمرحلة الراهنة. فبينما تحتاج الديمقراطية إلى أحزاب قوية وذات مصداقية، تتزايد مؤشرات العزوف وفقدان الثقة في الوساطة الحزبية.
وبينما ترفع الأحزاب شعارات التجديد واستقطاب الكفاءات، يظل تداول المسؤوليات داخل عدد منها محكوماً بمنطق الولاءات الداخلية أكثر مما هو محكوم بمنطق الكفاءة والقدرة على الإبداع السياسي.
والنتيجة أن الحديث عن تجديد النخب يتحول أحياناً إلى مجرد تغيير في الأسماء دون أن يمس أنماط التفكير وأساليب العمل.
وهنا صلب الأزمة في المغرب، فبرغم الصلاحيات المنصوص عليها دستوريا، تفقد الأحزاب قدرتها على تحويل الغضب الاجتماعي إلى برامج، والانتظارات إلى سياسات، والقلق الجماعي إلى تعاقد سياسي واضح. إن المشكل العميق لا يكمن فقط في ضعف تجديد الوجوه، رغم أهمية ذلك، بل في شيخوخة المخيال السياسي الحزبي نفسه.
لقد تغيرت علاقة المغربي بالسلطة، بالمعرفة، بالصورة، بالمدينة، بالعمل، وبالمستقبل. ومع ذلك، ما تزال خطابات حزبية كثيرة تنتمي إلى قاموس تعبوي قديم، لا يلتقط عمق التحولات ولا لغة الأجيال الجديدة.
الأزمة هنا هي أزمة وساطة.
لذلك فإن أخطر ما قد تواجهه الانتخابات القادمة ليس المنافسة بين الأحزاب، بل اتساع المسافة بين المجتمع والعملية الانتخابية ذاتها.
ومن هنا، فإن تجديد النخب لا يعني فقط إقحام شباب ونساء وكفاءات في اللوائح الانتخابية لإعطاء انطباع بالتحديث.
التجديد الحقيقي، هو تجديد في طريقة إنتاج القرار داخل الحزب، وفي توزيع السلطة التنظيمية، وفي فتح النقاش الداخلي، وفي القطع مع ثقافة الزعامة الدائمة والولاء الشخصي. لا يمكن لحزب لا يمارس الديمقراطية داخله أن يقنع الناس بقدرته على خدمتها خارجه. ولا يمكن لنخبة صعدت عبر منطق القرب والزبونية والولاء أن تنتج سياسة جريئة وخلاقة.
الانتخابات القادمة ستكون لحظة فرز أخلاقي وفكري قبل أن تكون لحظة فرز عددي. ستكشف من يستطيع أن يتحدث إلى المغرب الحقيقي وعمن يكتفي بإعادة ترتيب المواقع داخل الخريطة نفسها دون أن يلمس جوهر الأزمة.
إن الرهان الأكبر أمام الأحزاب المغربية هو أن تستعيد وظيفة الأمل خارج توزيع الوعود، الأمل العاقل الذي يقول للمواطن إن التغيير ممكن حين توجد نخب مسؤولة، ومؤسسات قوية، ومحاسبة جدية، وبرامج قابلة للقياس، وشجاعة في الاعتراف بالفشل.
ستمنح الانتخابات المقبلة أغلبية جديدة أو تعيد تشكيل أغلبية قديمة، وقد تغير مواقع بعض الأحزاب أو تثبت أخرى، لكن ذلك كله سيظل تفصيلاً إذا لم يتغير سؤال السياسة نفسه.