رسالة إلى الفراعنة… بلا مقارنات
قبل الولوج إلى التفاصيل لا بد من توجيه رسالة واضحة وصريحة إلى الأشقاء في مصر، رسالة عنوانها بلا مقارنات، لأن كرة القدم لا تعترف إلا بما يتحقق فوق أرضية الملعب، ولا تقاس بالصوت المرتفع، ولا بالنقاشات التي تشتعل على الشاشات ومواقع التواصل. نحن في المغرب عندما صنع منتخبنا التاريخ في مونديال قطر، و وصل إلى المربع الذهبي واحتل المركز الرابع عالميا لم نقل إننا أصبحنا أسياد العالم، ولم ندع أن الطريق إلى نصف النهائي أمر سهل، بل احتفلنا بإنجاز غير مسبوق استقبل فيه جلالة الملك اللاعبين وأمهاتهم في لحظة ستظل خالدة في ذاكرة المغاربة، ثم أغلقنا الصفحة وعدنا إلى العمل لأننا نؤمن أن النجاح الحقيقي هو الاستمرار وليس التوقف عند محطة واحدة.
وعندما تعثر المنتخب المغربي في كأس إفريقيا الأخيرة بالكوت ديفوار، لم نهرب من الحقيقة ولم نبحث عن أعذار ولم نتهم أحدا بالمؤامرة، بل اعترفنا بالأخطاء وانتقدنا الأداء وقلنا بكل وضوح إن الهزيمة جزء من كرة القدم، وإن التصحيح يبدأ بالاعتراف بالنقائص، لأن المنتخبات الكبيرة لا تقاس بعدد انتصاراتها فقط بل أيضا بطريقة تعاملها مع خسائرها.
المغاربة لم يكونوا يوما ناكرين لتاريخ الكرة المصرية، ولم يقللوا أبدا من قيمة الجيل الذهبي الذي قاد الفراعنة إلى ثلاثة ألقاب إفريقية متتالية بأسماء صنعت المجد مثل محمد أبو تريكة وعصام الحضري ووائل جمعة وميدو وغيرهم، ولم ينشغل أحد في المغرب بالتشكيك في تلك الإنجازات أو البحث عن تفسيرات تقلل من قيمتها، بل كان الاحترام هو العنوان لأن الإنجاز يحترم مهما كان صاحبه.
لكن منذ أن رفع المغرب سقف الطموح الإفريقي والعربي في كأس العالم وبلغ نصف النهائي، بدأت بعض الأصوات تتعامل مع هذا الإنجاز وكأنه أمر عادي، وكأنه محطة يمكن تجاوزها بسهولة وبدأت المقارنات التي لا تنتهي في كل شيء من اللاعبين إلى المدربين وحتى حراس المرمى، وكأن الهدف لم يعد الاحتفاء بالنجاح بل التقليل من نجاح الآخرين.
من حق المنتخب المصري أن يحلم ومن حق جماهيره أن تطمح لرؤية منتخبها ينافس على أعلى المستويات، ومن حقها أن تفرح بالتأهل إلى دور الستة عشر، وأن تحتفل بأول انتصار في مونديال الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، ونحن في المغرب لا نملك إلا أن نقول ألف مبروك وهنيئا لكم بهذا الإنجاز مع كامل التمنيات بمواصلة التألق لأننا نحب أن نرى المنتخبات العربية والإفريقية تنافس الكبار.
لكن في المقابل ليس من حق أحد أن يصغر الإنجاز المغربي أو أن يقدم الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم وكأنه مهمة سهلة لأن الواقع يقول إن منتخبات عظمى بتاريخها وإمكاناتها لم تستطع بلوغ ما بلغه المغرب والحقائق لا تكتب بالرغبات بل بالأرقام والنتائج.
أما المقارنات بين ياسين بونو وشوبير أو غيرهما، فهي نقاشات لا تخدم أحدا خصوصا بعدما أغلق شوبير بنفسه هذا الملف، وأكد احترامه الكبير لبونو وتحدث عن تواصله معه وإشادته بما يقدمه. وهذا موقف يحترم لأن الاعتراف بقيمة المنافس لا ينقص من قيمة أحد بل يرفعها.
اليوم لسنا أمام معركة بين المغرب ومصر ولسنا أمام سباق لإثبات من الأفضل لأن التاريخ الكروي للبلدين كبير ومحترم، لكننا أمام مرحلة تحتاج إلى العمل الحقيقي وإلى الاستثمار في التكوين وإعداد أجيال جديدة قادرة على المنافسة على لقب كأس العالم، لأن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة بل أصبحت قوة ناعمة تعكس صورة الدول ومكانتها.
لهذا نقولها بكل احترام وبكل وضوح بلا مقارنات دعوا الإنجازات تتحدث ودعوا المستطيل الأخضر يحسم النقاش، لأن ما يجمع الشعب المغربي والشعب المصري أكبر من مباراة وأكبر من تصريح وأكبر من جدل عابر وسيبقى الاحترام المتبادل هو الانتصار الذي لا يقبل أي مقارنة.